مجمع البحوث الاسلامية
168
المعجم في فقه لغة القرآن وسر بلاغته
ويستفاد من مجموع هذين الرّأيين أنّ الحديقة بستان له جدار وماء كاف . ( 12 : 100 ) وجاء بهذا المعنى قوله تعالى : حَدائِقَ وَأَعْناباً النّبأ : 32 ، وقوله تعالى : وَحَدائِقَ غُلْباً عبس : 30 . الأصول اللّغويّة 1 - الأصل في هذه المادّة : الحدقة ، أي السّواد المحيط بناظر العين ؛ والجمع : حدق وحداق وأحداق . واشتقّ منه : التّحديق ، وهو شدّة النّظر بالحدقة . وقالوا : حدق فلان الشّيء يحدقه حدقا ، أي نظر إليه ، وحدق الميّت حدوقا : فتح عينيه وطرف بهما ، ورأيت الميّت يحدق يمنة ويسرة : يفتح عينيه وينظر . ثمّ استعير لكلّ شيء يحيط بشيء ويستدير به . يقال : عليه شامة سوداء قد أحدق بها بياض ، وحدق به الشّيء وأحدق ، أي استدار . ومنه : الحديقة : « فعيلة » بمعنى « مفعولة » ، وهي ما أحدق بها حائط من الجنان والرّياض ؛ والجمع : حدائق . يقال : روضة بني فلان ما هي إلّا حديقة ما يجوز فيها شيء ، وقد أحدقت الرّوضة عشبا ، وإذا لم يكن فيها عشب فهي روضة . وحدق القوم بالرّجل ، وأحدقوا به : أطافوا به ، وحدقت وحدقت به المنيّة وأحدقت ، على التّشبيه . 2 - ويفرق البستان عن الحديقة ، فهو - وفق أصله في الفارسيّة - مجمع الورد ، أي المكان الّذي تزرع فيه ورود ذكيّة الرّائحة ، أو تغرس فيه أشجار ذات ثمر ذكيّ الطّعم ؛ إذ ورد في « الفهلويّة » مركّبا من كلمتين : « بو » أي الرّائحة ، و « ستان » أي مكان الرّائحة . وعرّب من هذه اللّغة بلفظ « بستان » بحذف الواو ، للتّخلّص من التقاء السّاكنين : « الواو » و « السّين » ، فضمّ إلى وزن « فعلان » ، مثل : حسبان وعنوان وذودان وغيرها ، ثمّ استعمله الفرس بهذا اللّفظ أيضا . فلا وجه - إذا - لقول من قال : البستان : الحديقة من النّخل ، أو كلّ بستان عليه حائط فهو حديقة ، لأنّه يناقض الأصل والمنشأ ، إلّا أن يكون على التّوسّع . كما لا معنى لقول الزّبيديّ معقبا لصاحب « شفاء الغليل » : « مقتضى تركيبه من « بو » و « ستان » أن يكون آخذ الرّائحة ، وسقط « الواو » عند الاستعمال ، لأنّه يخالف الاستعمال في الفارسيّة ، وقواعد اللّغة في العربيّة ؛ إذ يقتضي قوله وجود وزن « فوعلان » ، ثمّ صار « فعلان » عند الاستعمال للتّخفيف . الاستعمال القرآنيّ جاء منها لفظ واحد ، ثلاث مرّات مكّيّة : 1 - . . . فَأَنْبَتْنا بِهِ حَدائِقَ ذاتَ بَهْجَةٍ . . . النّمل : 60 2 - فَأَنْبَتْنا فِيها حَبًّا * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلًا * وَحَدائِقَ غُلْباً عبس : 27 - 30 3 - إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفازاً * حَدائِقَ وَأَعْناباً النّبأ : 31 ، 32 ويلاحظ أوّلا : أنّ حدائق جاءت مرّتين في نعم الدّنيا ( 1 و 2 ) ، ومرّة في نعم الآخرة ( 3 ) : فجاء في ( 1 ) : أَمَّنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ